نتابع حديثنا عن القرآن الكريم متمثلا بالإعجاز البلاغي بخاصة فيما يتصل ببناء السورة القرآنية الكريمة من حيث علاقة آياتها بعضها مع الآخر والموضوعات بعضها مع الآخر والعناصر مع الموضوعات والآيات بنحو يتلاحم فيها النص القرآني الكريم من خلال ما أسميناه بالبناء الفني للسور القرآنية الكريمة، حيث كان الحديث في المحاضرة السابقة يتحدث أو بالأحرى حيث كان حديث المحاضرة السابقة يتناول موضوعا مهما من مضوعات بناء السورة القرآنية الكريمة، ألا وهو الانتقال من موضوع إلى آخر وهو الحرفية والأسلوب الذي يربط بين رسمي السورة الكريمة المنتقلة من موضوع إلى آخر.
وقد استشهدنا بأكثر من نموذج في المحاضرة السابقة أما الآن نتحدث عن أسلوب جديد من أساليب الوصل بين قسم وآخر من موضوعات السورة القرآنية الكريمة وسنستشهد بموضوع يتصل أو بمفهوم يتصل بالتجانس حيث قلنا أن الوصل بين أجزاء السورة الكريمة يتم إما من خلال التداعيات الذهنية أو من خلال النموذج العضوي أي السببية، أو من خلال أساليب أخرى ومنها الأسلوب المجانس الذي يمهد للدخول إلى موضوع جديد من خلال الطرح لذلك الموضوع في ختام القسم السابق من السورة الكريمة، ونستشهد في هذا الميدان بالسورة القرآنية الكريمة نعني بها سورة البقرة التي تتحدث عن عشرات الموضوعات وتتناول عشرات الأقسام أو تنتظمها عشرات الأقسام من الموضوعات حيث يتم الانتقال من موضوع إلى آخر وفق إحدى الطرائق المشار إليها التداعي والتجانس والنمو.. الخ، ولكن الحديث يرسم كما قلنا الآن عن الظاهرة الأسلوبية المتمثلة في التجانس أي التجانس بين موضوع يتناوله قسم من السورة ثم تنتقل السورة من القسم المذكور إلى قسم جديد ولكن من خلال وجود عنصر تجانس بين هذين الموضوعين وهذا ما يمكن أن نستشهد به من خلال لفت نظركم إلى السورة القرآنية الكريمة، وهي سورة البقرة حيث أن هذه السورة تناولت في القسم الأول حديثا أشرنا إليه في محاضرات سابقة يتصل بسلوك المؤمنين، ومن ثم سلوك الكفار والمنافقين، ولكن بعد ذلك ينتقل النص إلى حديث عام يتصل بخلق الأرض جميعا ويتصل أيضاً بخلق السماوات السبع، عبر آية تختم بها القسم الأول من السورة الكريمة، متمثلا في قوله تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم)، بهذه الآية الكريمة ينتهي القسم الأول من السورة، ويجيء القسم الجديد وهو يتحدث عن ظاهرة ميلاد البشرية متمثلة في خلق آدم (عليه السلام) عبر تلك الأقصوصة التي حدثناكم عنها أكثر من مرة، ولكن ما نلفت النظر إليه الآن هو أن تلاحظوا بدقة أن هذه الآية التي ختم بها القسم الأول من السورة ليجيء القسم الثاني منها وهما قسمان يبدوان وكأنه لا علاقة بينهما البتة لأن الموضوع الأول يتحدث عن خلق السماوات والأرض واستواء الله إلى السماء و.. الخ، ومن حيث أن الموضوع الجديد يقول وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة.. الخ.
طبعا لابد أن نحدثكم عن العلاقة بين خلق السماوات والأرض وبين خلق ما في الأرض جميعا للإنسان وصلة ذلك بخليفة في الأرض عن هذا لا نتحدث الآن بل نتحدث عن مجرد الأسلوب الرابط مباشرة من خلال التجانس بين هذين القسمين من السورة الكريمة لقد ختم المقطع الأول بهذه الفقرة وهو بكل شيء عليم وستجدون الآن كيف أن ظاهرة العلم هي التي سوف تنسحب على مجمل الأقصوصة التي تتحدث عن آدم، ولنقرأ لكم النص الأقصوصي: بسم الله الرحمن الرحيم (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال أنا اعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها قال سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبأهم).. الخ.
قال (ألم أقل لكم اني اعلم غيب السماوات والأرض واعلم ما تبدون).. الخ.
لقد شددنا في النطق في الكلمات التي تتضمن ظاهرة العلم وهي العبارات القائلة اعلم تعلمون علم عليم أعلم أعلم.. الخ.
نكرر الملاحظ في هذا المقطع القصصي، أي المحاضرة بين الله وبين الملائكة، أن العصب الفكري لهذه المحاضرة يظل هو العلم، حيث مهد له المقطع الأسبق والله بكل شيء عليم فجاء المقطع الجديد بأكمله يحوم على علم الله تعالى متمثلا في العبارات التي قرأناها قبل قليل عبارة أعلم لا تعلمون عبارة علم، عبارة ما علمتنا، عبارة اعلم، ثم تكرار هذه العبارة اعلم، ومن الطبيعي جدا أن المتلقي وهو ينتهي من قراءة المقطع السابق أي قراءة والله بكل شيء عليك ثم يواجه الآن بمقطع يحوم على علم الله تعالى من خلال تجربة المولد البشري بهذا النحو المدهش من المحاضرة إنما يدعنا نحن القراء نتمثل ولو بنحو لا واع لعملية الربط بين إبداع الله تعالى للأرض والسماوات من جانب، وبين إبداعه للجنس البشري من جانب آخر، حيث كانت الآية الأخيرة من المقطع الأسبق تقرر انه خلق السماوات والأرض وهو تعالى يخلق الإنسان، ولكن من خلال الأخذ بعين الاعتبار انه تعالى بكل شيء علي، وأنه يعلم غيب السماوات والأرض.
إذا ونحن نتذكر أن النص في المقطع الأسبق عرض لخلق السماوات والأرض، وها هو في المقطع الجديد يتحدث عن علمه علم السماوات والأرض، إذا الإشارة إلى عملية الخلق وعملية السماوات والأرض، وعملية العلم تظل صدى يتناغم بين مقطع سورة ما خلا تمهيد القسم الأول للمقطع الجديد بالنحو الذي لاحظتموه والأهم من ذلك كله هو وهذا ما لا نمل أن نكرره عليكم ونقصد به ما ينعكس أثر ذلك جميعا على المتلقي من حيث استجابته الكلية لهذه الموضوعات المترابطة، من خلالا التمهيد المذكور وأمثلته.
إذا أمكننا الآن أن نقدم لكم أنموذجا من الأساليب التي يتم الوصل من خلالها بين الموضوع من جديد وموضوع سابق لا علاقة بينهما بالظاهر ولكن لاحظتم كيفية العلاقة الوثيقة جداً بين نهاية المقطع سابق وبين موضوعات أو موضوع مقطع جديد بالنحو الذي لاحظتموه والذي نعتقده أن الذي يناسب حديثنا الآن عن تقديم أساليب جديدة لعملية الربط بين موضوع وآخر، ولكن من خلال الإشارة إلى أن الأهم من ذلك كله هو أن ننتبه على ما يحققه مثل هذا الأسلوب من إحداث أثر مطلوب في استجابة كلية النص أي قراءة السورة بأكملها من خلال ما تجسده من أساليب في وصل النصوص أو بالأحرى في وصل الموضوعات بعضها مع الآخر، ويمكننا الآن أن نستشهد بإحدى السور القصار وهي سورة الصف حيث قلنا أننا نحاول في كل موضوع من الموضوعات الجديدة التي نقرأها عليكم أن نستشهد بصورة جديدة حتى يتبين للطالب جميع السورة القرآنية الكريمة تسبق هذه الأساليب المتنوعة من الوصل بين الموضوعات وما تحققه في نهاية المطاف من الاستجابة كلية بالسورة التي ينتهي القارئ من قراءة ما فيها من موضوعات.
إن السورة التي نتناول الآن العرض لها هي صورة الصف كما قلنا، وقد استهلت هذه السورة بالإشارة إلى من لم يقرن قوله بالعمل ثم انتقلت إلى موضوع هو القتال (صفاً كالبنيان المرصوص)، ونحن لا نقرأ جميع النصوص لأنها سوف تستغرق وقتاً طويلا وعلى الطالب أن يقرأ النص كاملاً ثم يقرأ ما نقوله لأن الاستشهاد بجميع النصوص سوف يستغرق المحاضرات جميعها طالما نحن نود فقط أن نشير إلى الوصلات الفنية بين موضوع وآخر تاركين الطالب أن يقرأ السورة بنفسه بعد الإشارة بطبيعة الحال إلى ما نقرره في هذا الميدان.
نقول إن السورة بعد أن أشارت إلى من يأتي قوله بالعمل انتقلت إلى موضوع القتال صفاً كالبنيان المرصوص، ثم انتقلت إلى حكاية جديدة أو أقصوصة وهذه الحكاية الجديدة تتحدث عن موسى (عليه السلام) ولكنها حكاية عابرة جدا تكتفي بالإشارة إلى أذى قومه ومعاقبة هؤلاء القوم، بعد ذلك تجدون أن السورة انتقلت إلى حكاية عنه عيسى (عليه السلام) ولكنها اكتفت من خلال ذلك إلى تبشيره بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم ختمت النص بفقرة (فلما جاءهم بالبينات قالوا سحر مبين)، ثم انتقلت إلى الحديث عن مجتمع محمد صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين)، هنا وقد عرضنا لكم مجموعة من الانتقالات من موضع إلى آخر نقول قبل أن نتابع الآن هذه الموضوعات المتنوعة المتتابعة ليمكننا أن نلاحظ كلا من التمهيد والتداعي والتجانس والنمو، هذه الأساليب الأربعة جميعا تتجسد في هذه السورة القصيرة، من خلال توكأ ذلك جميعا عليها، أي من خلال الانتقال من موضوع إلى آخر، حيث يتم الانتقال من هذا الموضع إلى الموضوع الجديد بواسطة جميع الأساليب المتمثلة في التمهيدي والتداعي والتجانس والنمو، بخلاف ما لاحظتموه في نماذج سابقة كنا نستشهد بها في نطاق التجانس أو نطاق التمهيد وانعكاساته على وسط السورة، وختامه أما الآن نتحدث عن هذه جميعا عبر سورة جميلة تنتقل عبر موضوعاتها من موضوع ومن قسم إلى آخر من خلال هذه الأساليب جميعاً لاحظوا على سبيل المثال أن الانتقال من مجتمع عيسى (عليه السلام) إلى مجتمع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كيف تم ذلك، إن مجتمع عيسى وقد بشر بمحمد أيضاً، هذا المجتمع لقد اتهم عيسى بالسحر ثم لاحظوا مجتمع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد اتهم هذا المجتمع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالافتراء، إذا نحن الآن أمام سلوكين متجانسين وهو سلوك الاتهام اتهام عيسى بماذا؟ بالسحر واتهام محمد بماذا بالافتراء، وكلاهما كما تلاحظون سلوك متجانس، وفي الآن ذاته تلاحظون أن الآية المبشرة بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هي في الواقع تمهيد للحديث عن المبشر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنسبة إلى قومه الذين اتهموه بالافتراء على الله تعالى.
إذا نحن الآن أمام تمهيد قبل ذلك كنا أمام تجانس والآن أمام أسلوب ثالث هو التداعي في الذهن، حيث أن أذهاننا سوف تتداعى من مجتمع سابق وهو مجتمع عيسى إلى مجتمع لاحق وهو مجتمع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأيضاً إن التهمة المتمثلة في الافتراء على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هي في الواقع عملية نمو لفكرة سابقة هي الاتهام بالسحر بالنسبة لمجتمع عيسى (عليه السلام).
والآن لاحظتم هذا النموذج البين لتداخل الأدوات الرابطة بين الموضوعات أي أدوات كلا من التمهيد والتداعي والتجانس والنمو، وفي الواقع يمكننا أن نلحظ في النص المتقدم ذاته أجزاء تستقل في أدوات ربطها مع الأجزاء الأخرى، ومنها عملية النمو للموضوعات فالنص المذكور تابع حديثه عن مجتمع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال (يريدون يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون والذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)، بعد ذلك يتابع حديثه عن المجتمع المذكور فيشير إلى الإيمان بالله تعالى وبرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبممارسة الجهاد وبالإثابة على ذلك دنيويا وأخرويا، ثم يختم حديثه الدعاء للمؤمنين بأن يصبحوا كحواري عيسى (عليه السلام) ويختتم ذلك بعبارة (فأيدينا الذين آمنوا على عدوهم وأصبحوا ظاهرين)، لاحظوا بدقة كيف أن الأجزاء الأخيرة من السورة القصيرة المباركة تتحدث عن إظهار الدين وهو الإسلام عبر قوله تعالى (ليظهره على الدين كله) وتختتم حديثها بإظهار المؤمنين في زمن عيسى على عدوه لاحظوا قوله تعالى (فأصبحوا ظاهرين) فالعبارة التي خاتم بها النص أي العبارة (الظاهرين)، والفقرة التي توسط بها النص أي فقرة (ليظهره على الدين كله)، يعد الأولى منها نموا لفقرة الآخر، لكن من خلال الارتداد إلى حدث سابق وإذا لاحظنا الآن من جانب جملة من الأساليب المجتمعة، وهي أساليب التمهيد والنمو التجانس والتداعي، ولاحظنا في الآن ذاته في الفقرة الأخيرة واحدة من ظواهر النمو ويمكننا في الواقع أن نستشهد أيضاً بنموذج جديد للنمو ما دمنا قد قررنا أن نستشهد بكل ظاهرة، أن نستشهد بسورة جديدة، وفي هذا الميدان سوف نتابع حديثنا عن ظاهرة النمو الفني ونستشهد بنموذج آخر ألا وهو النموذج المتمثل في قسم من سورة الأعراف لأن الحديث عن سورة كاملة لا يمكننا أن نواصله بهذا النحو، حيث يستغرق ذلك عشرات أو مئات المحاضرات ما دامت كل سورة طويلة كسورة البقرة أو آل عمران أو النساء أو المائدة أو الأعراف أو الأنعام فيها عشرات الموضوعات وعشرات الانتقالات.
المهم نستشهد من خلال سورة الأعراف بقصة موسى (عليه السلام) مع قومه ومع فرعون ومن الطبيعي أن أحدكم قد يقول إن هذا الجانب يتصل بالعنصر القصصي، ونحن نريد الحديث عن العنصر العام للسورتين ولكن نجيبكم عن ذلك قائلين بان القصة هنا في هذه السورة سواء في الواقع وظفت لمعرفة لأي شيء وظفت؟ لتخدم العنصر الفكري في السورة، أي أن القصص تجيء في كل سورة متجانسة مع الأهداف التي يطرحها النص أي تطرحها الصورة ككل، مع ملاحظة أن هناك أن سورا قد تستقل كسورة يوسف ونوح والفيل وما إلى ذلك، قد تستقل وهي بذاتها تقدم بفقرة معينة بغض النظر عن الأهداف التي تنتظم هذه السورة أو تلك،المهم نحن فقط نريد أن نوضح عملية النمو للسورة الكريمة من خلال بعض أجزائها وإن كانت مرتبطة بالعنصر القصصي ما دام العنصر القصصي موظفا لإنارة أهداف السورة الكريمة.
واعتقد أننا استشهدنا عابرا بهذا النص في محاضرة سابقة كانت المحاضرة هي في الواقع عبر حديثنا عن علوم القرآن في مقدمة محاضراتنا المتحدثة عن هذا الجانب، ولكننا أشرنا إلى ذلك عابرا لنشير الآن إلى هذه الظاهرة بشيء من التفصيل ولكن أيضاً بنحو فيه اختصار مع اقترانه بعنصر التفصيل فنقول لاحظوا في هذا الجانب أو في هذا الجزء من سورة الأعراف أن موسى (عليه السلام) خاطب قومه الذين تحملوا شدائد فرعون قائلاً لهم (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون)، فهذا الخطاب يتضمن ثلاث ظواهر هي التنبؤ بهلاك فرعون والتنبؤ باستخلاف جماعة موسى (عليه السلام) في الأرض ولكن الظاهرة الثالثة وهي قوله تعالى (فينظر كيف تعملون) لم يتنبأ لها موسى (عليه السلام) بل تركها نهاية مفتوحة تتوقف على ما سوف يعمله قومه بعد أن يهلك الله فرعون، وبعد أن يستخلف هذه الجماعة التي لا تستحق الاستخلاف لأن الله سبحانه وتعالى سوف يبين لنا كيف أنهم نكثوا كل ما وعدوا به، وسنوضح ذلك يما بعد ولكن ما نود أن نوضحه الآن هو أن نبين النمو الفني لهذه الحادثة، أو لهذه المواقف، في الواقع إن السورة القرآنية الكريمة ونقصد بذلك سورة الأعراف تواصل حديثها عن موسى (عليه السلام) وتواصل حديثها عن التعامل مع فرعون ومجتمعه حتى تصل إلى هذه العبارة، (انتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم)، ثم تقول (وأورثنا الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها).
إذا الفقرة السابقة على هذين الحدثين ونعني بهما إغراق مجتمع فرعون واستخلاف قوم موسى وهما الفقرة القائلة (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم) إن هذه العبارة تنامت تطورت، أي انتقلت من طور الكلام إلى طور الحدث أو الواقعة أي ما حدث بالفعل وتحقق، أو لنقل بعبارة جديدة لقد جاءت عبارة (فأغرقناهم في اليم) في هذا الموقع من السورة تناميا وتطور العبارة سابقة قالها موسى (عليه السلام) وهو قوله (عسى ربكم أن يهلك عدوكم)، وها هو العدو قد هلك بالفعل كما وعد موسى، وكذلك جاءت عبارة وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها، جاءت هذه العبارة تنامياً لعبارة (ويستخلفك في الأرض)، ولكن بالنسبة إلى عبارة موسى الأخيرة أي الثالثة وهي قوله فينظر كيف تعلمون أي في الخطاب السابق نقول أن هذه العبارة جعلها مفتوحة كما كررنا حيث نجدها لا تتنبأ بالبشارة التي لاحظناها بالنسبة إلى هلاك العدو واستهلاكه لقد بشر موسى بهلاك العدو واستبشار مجتمعه في الخطاب الأول وها هي البشارة تتحقق فعلا في هذه العبارات الجديدة التي نقلتها السورة القرآنية الجديدة.
ولكن بالنسبة إلى الموضع الثاني أصبحا القضية معلقة أو مفتوحة بحيث تتوقف على ما سيفعله القوم لأن قوله (عليه السلام) عبر الإشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى قال على لسانه (فينظر كيف تعملون) أي ماذا سوف تعملون بعد أن تستخلفوا وبعد أن يهلك فرعون، ماذا ستعملون، بموجب ما تعملونه سيترتب أثر على ذلك، لذلك جاءت هذه العبارة المفتوحة أو الفقرات الجديدة من السورة الجديدة تبين أن ما سوف يعمله هؤلاء القوم هو أعمالاً انحرافية خطيرة تقديسهم للعجل وانسياقهم إلى السامري وما إلى ذلك كما ستوضحه السورة القرآنية الكريمة في أجزاء لاحقة منها نقول:
وهذا هو موضع ما نود أن نحدثكم عنه نقول أن السورة الكريمة جعلت القضية معلقة أو مفتوحة تتوقف على ما سيفعله القوم نظرا لمجهولية سلوكهم وبالفعل ما أن جاوز قوم موسى البحر حتى شاهدوا قوماً يعبدون الأصنام فقالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة إلى آخر ما ذكره النص القرآني الكريم، إذا لقد انحرف قوم موسى وهو المتوقع بطبيعة الحال، لأن مجرد قوله فينظر كيف تعلمون معناه أن القوم لو كان الخير يغلفهم لعملوا ما ينبغي أن يعمل ولكن الله يعرف سلفا كيف يعلمون صاغ هذه العبارة، عبارة (كيف تعلمون) حتى يرتب عليها آثارا من خلال عملية النمو الفني التي عرضناها عليكم الآن.
والآن إن هذا الحديث ونعني به حديث الانحراف وسواه من الأحداث الذي سردتها السورة الكريمة يجسد في الواقع جواباً لعبارة فينظر كيف تعملون، حيث تعني هذه الفقرة أن الله تعالى سوف يرتب الأثر الإيجابي أو السلبي على نمط السلوك الذي يصدر عنهم الاسرائيليون وهذا أحد مصاديق علمية نمو العظمة كما لاحظتم مضافا إلى مصداقية الآخرين وهما العدو والاستخلاف، إذا هذه الأداة أو هذه الوسيلة ونعني بها النمو قد استقلت هنا في النص الذي حدثناكم عنه الآن بينما تداخلت هذه الأداة، أو تداخل هذا الأسلوب تداخل مع الأدوات الأخرى أي التداعي والتجانس والتمهيد في النص الأسبق أي سورة الصف، وكذلك سائر الأساليب التي عرضنا لها مما لا حاجة جديدا إلى الاستشهاد بنماذج لها.
والآن وقد اتضح لنا أحد الخطوط الثلاثة التي تنتظم إمارة السورة القرآنية الكريمة وهو البناء القائم على صلة أجزاء النص بعضها بالآخر ولكن يبقى الخطان الآخران وهما البناء القائم على هيكلية النص ثم الأدوات الموظفة لإنارة هدفه، ومن ثم فإن النص من ذلك كله كما قلنا ونكرر ذلك هو أن كل هذه الأساليب إنما تصاغ من أجل أن تترك الأثر الكلي، وليس الأثر الجزئي، المتثل في قراءة الآية فحسب أو قراءة موضوع واحد من موضوعات السورة فحسب، بل الأثر الكلي الذي تتركه قراءة السورة بأكملها وما تحققه من استجابة قد يعيها القارئ وقد لا يعيها ولكن في الحالات جميعا تحقق هدفها بالنحو الذي أوضحناه وفيما عرضنا لكم من الأساليب وفيما نعرض الآن أيضاً من الأساليب الأخرى ومنها كما قلنا بالنسبة إلى كل من الكلمة والنص ثم الأدوات الموظفة إلى هذه القليلة العامة للسورة القرآنية الكريمة.
بالنسبة إلى هيكلية النص فإن النص كما قلنا قد تطبعه وحدة الموضوع وقد تطبعه تعددية موضوعية الموضوعات ولكن في الحالتين من النمطين قد يخضع لنمط قد يخضع لزمان نفسي، وقد يخضع لزمان موضوعي صرف، ولكن في الغالب تظل السورة ذات الموضوعات المتعددة متسمة بالزمان النفسي أكثر منها في الزمان الموضوعي، ويمكننا أن نستشهد بنماذج من النمط الأول، أي النص الذي يتوحد موضوعه مع الإشارة إلى أن وحدة الموضوع لا تعني انحصارها في المقفل بل تتصدرها أو تختم بها موضوعات أخرى بخاصة في بعض السورة المتمحضة في المحور القصصي، وتعقبتها جملة من الأفكار المستهدفة في النص، وكذلك من السور القصار الاستشهاد بسورة الفيل حيث عرضت أولا إجمال الموضوع عبر قوله تعالى (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل).. الخ.
حيث فصلت الحديث بعد ذلك بحسب تسلسله الزمني، فأرسل عليهم طير أبابيل.. الخ.
ومن الطبيعي أن تصدير الحدث أو الموقف بما هو مجمل له مسوغاته النفسية في عملية استجابتنا نحن القراء حيث تدع كل منا متشوقا إلى معرفة موضوعاته والنص بالواقع لا ينطوي على المقدمة الإجمالية كسورة القدر مثلا التي تضمنت الحدث ومثاله سورة الكافرون التي تضمنت الموقف، ففي الحالين إن كل من الموقف في سورة الحدث والكافرين يأخذان تسلسلهما الزمني إلا نادرا، وهذا مثلا ما يمكن ملاحظته في سورة نوح التي أخذت تسلسلها الزمني ولكنها عندما وصلت إلى قوله تعالى (مما خطأتهم أغرقوا فادخلوا نارا) حيث تمت القصة بهذه الفقرة ولكن نجد أن النص بعد ذلك نقل نموذجا لنوح (عليه السلام) بعد ان عمهم الغرق وهي قوله (رب لا تذر على الكافرين)، وهنا نجد أن الموقف قد ارتد إلى الوسط أي أن دعائه حدث في الواقع قبل الغرق، ولكن النص رسمه بعد هذه الحادثة، والمسوغ لذلك هو أن النص يستهدف من هذا الأسلوب أن يوضح أولا أن كلا من مقدمته ونهايته يحمل أثراً أكثر لدى المتلقي أي أن ذاكرتنا سوف تحتفظ ببداية القصة ونهايتها وحينئذ فإن السورة المتقدمة قد حققت ذلك، لكن ثمة مسوغ فني هو أن حادثة الطوفان تتفاوت عن سواها بأنها قد أبادت المنحرفين بأكملهم أو بالأحرى أبادت المجتمعات بأكملها من الناحية الجغرافية بالقياس إلى الإبادة الإقليمية التي عرضت بعض المجتمعات الأخرى دون سواها.
ولكن بما أن هذه الحادثة حادثة الطوفان قد اقترنت بإنقاذ ثلة قليلة من المؤمنين بحيث كانت هذه الثلة السالمة من الطوفان نواة وميلاد واستمرارية للوجود البشري، وبأنا من جانب ثالث قد اقترنت بظاهرة مهمة هي أن دعاء نوح (عليه السلام) قد حمل مسوغه المهم جدا، وهو أن مجتمعه لو ترك بدون نزول هذه العقوبة سيترتب عليه استلاب الكفار من جديد، وهذا ما عبرت عنه الآية الكريمة قائلة (ان تذرهم يظلوا عبادك و لا يلدوا إلا فاجراً كفارا)، لذلك جميعا فإن اختتام النص بموقف يرتد إلى وسط الأحداث سيترك أثره علينا نحن القراء بحيث نتمثل هذه الدلالات الموضحة للمسوغات التي دفعت نوحا (عليه السلام) وما ترتب عليه لكن بغض النظر عن وحدة الموضوع في الواقع أن السورة تظل بدورها خاضعة للوحدة العضوية حتى من حيث انتخاب جزئياتها وإخضاع ذلك لأهداف النص، فمثلا تجدون في سورة الناس وهي تتحدث عن موضوع الاستعاذة بالله تعالى من شياطين الإنس والجن تجدون أن النص يتحدث عن الاستعاذة بالله تعالى عبر صفات ثلاث ملك الناس رب الناس اله الناس، مع انه من الممكن أن تكتفي السورة بعبارة الله تعالى فتقول أعوذ بالله كما يلاحظ ذلك بمواقع أخرى من السورة القرآنية الكريمة مثل قوله تعالى: (وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) ولكن نجد هنا أن النص ينتخب ثلاث صفات في سورة الناس مما يعني أن هناك ثمة سرا من ذلك وهو أن النص بسبب عملية الاستعاذة بالله تعالى في مطلق سلوكها من مطلق الوساوس التي نتعرض لها، لذلك فإن انتخاب الله والرب والإله إنما مستويات الاستعانة أو الاستعاذة، فصفة الرب ترتبط بظواهر التدبير والتربية ونحوهما، وصفة الملك ترتبط بظواهر القدرة و السلطة ونحوهما، وصفة الإله ترتبط بصفات العبودية، وسلوك الإنسان بدوره يفتقد إلى من يسنده تدبيراً، وحينا إلى من يسنده فرقة، وحينا إلى من يتجه إلى عبادة، لذلك فإن الاستعاذة بالرب والملك والإله تحقق هدف المستعين بالشكل الذي أوضحناه.
والأمر كذلك في الواقع إذا اتجهنا إلى سائر الجزئيات الموجودة كصفتي الوسواس والخناس وظاهرة تكرار عبارة الناس في آية سورة جميعا، أولئك تخضع لعمليات بنائية تنظم هيكلية النص في نهاية المطاف بالشكل الذي يحقق بالشكل الذي تستهدفه السورة الكريمة من وراء هذه الآيات الست التي تتحدث عن الاستعاذة وما يرتبط بها من التخلص من وسوسة الشيطان والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى.
إذا أمكننا في نطاق هذه السورة القصيرة جداً ونعني بها سورة الناس، أن نتبين بوضوح مدى ما حققته من خلال هيكلية بناءها، مدى ما تحققه من أثر كلي عبر استجابتنا نحن القراء لهذه السورة حيث أنها تحفظ في ذاكرتنا كيفية أنا نستعين بالله سبحانه وتعالى من خلال مطلق المستويات التي نحتاج فيها لله تعالى، وذلك من خلال صفات الملك والله والرب بالشكل الذي أوضحناه، مع أن القارئ لا يمكن أن يدرك هذه المعاني ولكن من أمعن فيها حينئذ ومن تدبر هذه المعاني حينئذ سوف تترك أثرها في هذا المتلقي أو ذاك بعكس ما لو قد قرأها هو غافل عنها، حينئذ لا ينسحب عليه أية فاعلية من هنا نفسر النصوص المطالبة بان نتدبر في القرآن إن التدبر هو الذي سوف يترك أثره الاستجابي بها النحو أو بذاك أي بالنحو المطلوب وليس بقراءة قد لا تعني شيئا بقدر ما تعني مجرد نطق بكلمات لا دلالة لها في ذهن المتلقي.
على أية حال نكتفي الآن بما قدمناه لكم من الحديث عن هيكلية النص في نمطه الأول، اما هيلكية النص في نمطه الثاني، ونعني النمط الذي يتضمن موضوعات متنوعة فأمر نحدثكم عنه في محاضرة لاحقة إن شاء الله تعالى ونكتفي الآن بما قدمناه من الحديث والى لقاء آخر بإذنه تعالى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.